ابن قيم الجوزية

449

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

كالمرض والفقر ، وأذى الخلق له ، والحر والبرد ، والآلام ونحو ذلك . والرضى بالقدر الجاري عليه باختياره - مما يكرهه اللّه ويسخطه ، وينهى عنه - كأنواع الظلم والفسوق والعصيان : حرام يعاقب عليه . وهو مخالفة لربه تعالى . فإن اللّه لا يرضى بذلك ولا يحبه . فكيف تتفق المحبة ورضى ما يسخطه الحبيب ويبغضه ؟ فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرضى بالقضاء . فإن قلت : كيف يريد اللّه سبحانه أمرا لا يرضاه ولا يحبه ؟ وكيف يشاؤه ويكوّنه ؟ وكيف تجتمع إرادة اللّه له وبغضه وكراهيته ؟ قيل : هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقا ، وتباينت عنده طرقهم وأقوالهم . فاعلم أن « المراد » نوعان : مراد لنفسه . ومراد لغيره . فالمراد لنفسه : مطلوب محبوب لذاته ولما فيه من الخير . فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد . والمراد لغيره : قد لا يكون في نفسه مقصودا للمريد ، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته . وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده . فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته ، مراد له من حيث إفضاؤه وإيصاله إلى مراده . فيجتمع فيه الأمران : بغضه ، وإرادته ، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما . وهذا كالدواء المتناهي في الكراهة ، إذا علم متناولة أن فيه شفاءه ، وكقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده ، وكقطع المسافة الشاقة جدا إذا علم أنها توصله إلى مراده ومحبوبه . بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب ، وإن خفيت عنه عاقبته ، وطويت عنه مغبته ، فكيف بمن لا تخفى عليه العواقب ؟ فهو سبحانه وتعالى يكره الشيء ويبغضه في ذاته . ولا ينافي ذلك إرادته لغيره ، وكونه سببا إلى ما هو أحب إليه من فوته . مثال ذلك : أنه سبحانه خلق إبليس ، الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال ، والاعتقادات والإرادات . وهو سبب شقاوة العبيد ، وعملهم بما يغضب الرب تبارك وتعالى . وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه اللّه ويرضاه بكل طريق وكل حيلة . فهو مبغوض للرب سبحانه وتعالى ، مسخوط له . لعنه اللّه ومقته . وغضب عليه . ومع هذا فهو وسيلة إلى محابّ كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه . وجودها أحبّ إليه من عدمها . منها : أن تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات فخلق هذه الذات - التي هي أخبث الذوات وشرها . وهي سبب كل شر - في مقابلة ذات جبريل ، التي هي أشرف الذوات ، وأطهرها وأزكاها . وهي مادة كل خير فتبارك اللّه خالق هذا وهذا . كما ظهرت لهم قدرته التامة في خلق الليل والنهار ، والضياء والظلام ، والداء والدواء ، والحياة والموت ، والحر والبرد ، والحسن والقبيح ، والأرض والسماء ، والذكر والأنثى ، والماء والنار ، والخير والشر . وذلك من أدل الدلائل على كمال قدرته وعزته ، وسلطانه وملكه . فإنه خلق هذه المتضادات . وقابل بعضها ببعض . وسلط بعضها على بعض . وجعلها محالّ تصرفه وتدبيره وحكمته . فخلوّ الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته ، وكمال تصرفه وتدبير مملكته . ومنها : ظهور آثار أسمائه القهرية ، مثل : « القهار ، والمنتقم ، والعدل ، والضار وشديد